الشيخ محمد رشيد رضا
112
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العدل . فان أريد بكل من الفريقين آخر من ذكر منهم وهم الكافرون - على ما هو الأكثر في الاستعمال - فالدرجات بمعنى الدركات كالدرج والدرك ، والأصل في الأول أن يستعمل في الخير وجزائه والثاني في مقابله ومنه ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) والراغب يفرق بينهما بأن الدرج يقال باعتبار الصعود والدرك باعتبار الحدور والهبوط . وجمهور المفسرين جعلوا كلا هنا عاما لفريقي المؤمنين والكافرين فيكون استعمال الدرجات من باب تغليب المؤمنين . وشذ من قال إن مسلمي الجن لا يدخلون الجنة إذ ليس لهم ثواب وأشد منه شذوذا من زعم انهم لا يدخلون الجنة ولا النار ، نقل ذلك السيوطي عن ليث بن أبي سليم وهو مخالف لنصوص الآن وليث هذا مضطرب الحديث وان روى عنه مسلم وقد اختلط عقله في آخر عمره ولعله قال هذا القول وغيره مما أنكر عليه بعد اختلاطه هذا واننا وإن بينا ان هذه الآية مبطلة للقول بالجبر الباطل الهادم للشرائع والأديان ، الذي ألبسوه ثوب القدر الثابت بالعلم المؤيد للآن ، فإننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا اللّه عنه قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر وأن نذكر عبارته بنصها ونبين بطلانها وان سبق لنا مثل ذلك في غيرها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته قال : « اعلم أن هذه الآية تدل أيضا على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمرة الملائكة المبين فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الانسان لبطل ذلك الحكم ولصار ذلك العلم جهلا ولصار ذلك الاشهاد كذبا وكل ذلك محال ، فثبت ان لكل درجات مما عملوا ( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) وإذا كان الأمر كذلك فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه » اه ونقول إن حكم اللّه تعالى القدري لا يمكن أن يكون ناقضا ومبطلا لحكمه الشرعي ومكذبا لوحيه ، وقد قال تعالى ان الدرجات تكون للمكلفين بأعمالهم وإذا كان الرازي قد صرح بأنه تعالى « قد حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة » الخ فمن أين علم أنه قد جعله مجبورا على هذا